محمود توفيق محمد سعد

323

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

أنبيائهم ، فقال [ ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا . . . ] بما ابتدعوا في أصول دينهم ، وبما ارتكبوه من المعاصي . . . ولمّا كان التّفرّق ربّما كان بالأبدان فقط مع الاتّفاق في الآراء بيّن أنّ الأمر ليس كذلك ، فقال : [ واختلفوا . . ] بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتّصاف بحالة من يظنّ أنّهم جميع ، وقلوبهم شتّى . ولمّا ذمّهم بالاختلاف الّذي دلّ العقل على ذمّه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النّقل ، فقال : [ من . . بعد ما جاءهم ] وعظّمه بإعرائه عن التأنيث [ البيّنات ] . . . . " « 1 » في تذكير الفعل ( جاء ) عظيم إبلاغ في تصوير أهل الكتاب بأنّهم لا يصلحون أن يقتدي بفعالهم وآرائهم من في قلبه ذرة من عقل وفقه ، فإنّهم قد خالفوا صريح العقل وصحيح النّقل فلم يكن إتيان البيان إليهم إلا إتيانا قويا واضحا لا يغيم على ذي عين ، وبرغم من هذا فإنّهم اختلفوا وتفرقوا ، فكيف لمسلم أن يتّخذ من هؤلاء في أمر من أمور دينه قدوة ، ويدع ما في هذي الكتاب والسنة . إنّ استجلاب أنظمة الحكم والحياة الاقتصاديّة والاجتماعية من خارج ديارنا لهو - بما دلّ عليه تذكير الفعل " جاء " - من أشدّ الأمور ضلالة وبعدا عن هدي اللّه بعدا قد يؤذّن بما هو مكنون في صدور أولئك المستجلبين تلك الأنظمة من نفرة عن هدي الكتاب والسنة ، وأمثال هؤلاء من بعد توضيح الأمر لهم بما يدع مجالا لتوقف أحقّ بأن ينفوا عن منازل الولاية والسلطان . * * * هذا الذي تدبره البقاعي واستبصره هو الأليق بالفقه البياني للآيات الذكر الحكيم وهو في مثل هذا يعلو على كثير من السابقين ، وممن جاء من بعده مجمل القول في هذا أن للتذكير والتأنيث في القرآن الكريم من فيض لطائف المعاني ما يلفت البصائر إلى العناية بتدبره ، وأنّ عدّ العلماء له من أبواب شجاعة العربية لمن فقههم ما يتضمنه من بديع البيان . * * * ومما هو وثيق النسب بشجاعة العربية في الذكر الحكيم إفراد ما يشير ظاهر الحال إلى جمعه أو جمع ما يشير ظاهر الحال إلى إفراده وذلك من

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 5 ص 20